Facebook Twitter Addthis

التصنيفات » البرامج » الصحة النفسية » تثقيف نفسي

الاب ودوره في حياة الابناء


ناديا محسن هاشم  
م. دائرة التثقيف والارشاد النفسي"
"أبي علّمني كيف أستعمل الكمبيوتر" 
 "ذهبنا أنا وأبي للتسوّق"  
"نلعب أنا وأخوتي مع أبي كرة القدم كل عطلة أسبوع"  
… حوارات يتبادلها الأطفال فيما بينهم ، عن مشاركة آبائهم في كثير من النشاطات التي يقومون بها. وفي المقابل هناك أطفال نادراً ما يذكرون آباءهم، وفي غالب الأحيان تكاد صورة الأب أن تكون غائبة عن حياتهم.
لا يختلف اثنان، على أن صورة الأب النمطية، اختلفت عما كانت عليه في الماضي، خصوصاً عند جيل الشباب من الآباء، الذي يدرك أن الأبوة لا تعني التسلّط وفرض القانون المنزلي بالقوة، وإرهاب الأبناء، وتوفير الاحتياجات المادية للعائلة. وإنما للأب دور رئيسي في تربية الأبناء وتطوّرهم النفسي والفكري، ويكون ذلك من خلال حضوره المعنوي القوي في وعي الأبناء وفي لاوعيهم على حد سواء، على أن يشكّل هذا الحضور مصدراً للسعادة وشعوراً بالأمان والثقة بالنفس، ومن هنا،  فإن لوجوده  عظيم الأثر فى حياة الطفل، علماً أنه لا يقصد بكلمة وجوده أن يراه الطفل فقط بدون أن يكون له أى دور فعّال فى تنشئته وتقويمه، كما محاسبته إذا لزم الأمر. 
ومن المعلوم أن حنان الأب يجنّب الطفل الشعور بالقلق والخوف، ويزيد من إحساسه بالثقة بالنفس وتقدير الذات، ويحدّ من شعوره بالعدائية. ومن خلال التوجيه الأبوى القائم على النصح والإرشاد وتقويم الأخطاء، يتكوّن الضمير والمثال الأعلى للطفل, فإحساس الأبناء بوجود رادع لهم إذا أخطؤوا يجعلهم على حذر من الوقوع بالخطأ. كما ان اقتراب الأب من أبنائه وتمضية الوقت الكافي معهم ، ومحاولة تفهّم مشاكلهم وطلباتهم والنقاش معهم يعطيهم الثقة بالنفس والشعور بالأمان، فيبعد بهذا عنهم شبح الضياع والتيه، وحل الأمور الصعبة بالطريقة الخاطئة، والتي تؤدي بهم إلى طريق السوء. 
وتؤكد الدراسات التي أجريت حول أسباب فشل الأبناء في الدراسة والحياة العملية أو تزايد حالات الإدمان أو العنف، أن أحد أهم الأسباب هو غياب دور الأب داخل الأسرة، إما لغيابه المستمر بسبب العمل أو غيره أو لعدم تأثيره واحتكاكه بأبنائه وترك المسؤولية كاملة ملقاة على عاتق الأم.
هناك ثلاثة انواع لغياب الأب:
الأب الذي يضطر للسفر للعمل خارج البلاد:
ليس سهلاً على الأم قيامها، في حالة سفر الزوج، بدور مزدوج؛ فهي من ناحية تحاول تعويض غياب الأب مما يضطرها أحيانًا لأن تكون شديدة مع أبنائها، وفي الوقت نفسه عليها أن تمنحهم الكثير من الحنان والعاطفة ومتابعة كل شؤونهم، وهذا يؤدي الى زعزعة فهم ادوار الأمومة والأبوة عند الطفل، فضلاً عن أنها تعمل على تثبيت صورة الأب الغائب مادياً في لا وعي الأبناء.
ان الصورة للأب التي تعمل الأم على تثبيتها عند الأبناء ، هي بالتأكيد الصورة الايجابية، لا تلك التي تجعل من الأب مصدر سلطة ظالمة، فهناك الكثير من الأمهات يهددن أبناءهن بعقاب الأب كأن تقول الأم لابنها إذا تصرف في شكل سيء « سأخبر اباك عندما يعود من السفر وبالتأكيد سيعاقبك» .
 فترتبط صورة الأب الغائب عند الإبن بالعقاب والقسوة، مما يجعل العلاقة بينهما قائمة على الخوف، وبالتالي فإن الحوار يكون صعباً بينهما.
وعلى الأب عندما يعود من السفر أن يشرح لأطفاله أسباب غيابه عنهم ، وأنه حاضر للاستماع إلى مشكلاتهم ومعرفة ما يفرحهم وما يحزنهم، ومشاركتهم همومهم لا سيما إذا كانوا في سن المراهقة.
إذ لا يجوز أن يمضي إجازته في النوم أو القيام بزيارات الأقارب ويهمل ابناءه.

الغياب بالطلاق :
فى حالة غياب الأب بسبب الإنفصال عن الأم، وهذا يحدث شرخاً عميقاً فى نفسية الطفل يصعب تفادى سلبياته مدى الحياة، حيث يشعر الطفل أنه فقد أباه الذى يحبه بدون أى ذنب اقترفه، مما يسبب سخطه على الحياة وعلى والده الذى تخلى عنه, ويلاحظ ان الطفل من والدين منفصلين اكثر عدوانية من اي طفل آخر.
الأب المشغول عن الأطفال:  
وهو اقسى انواع غياب الأب عندما يكون موجودا في المنزل ولكن لا يقوم بالاهتمام بأطفاله؛ فيفضل مشاهدة التلفاز او السهر خارج المنزل على الجلوس مع اطفاله والاهتمام بهم,  بمشاكلهم, بسماع تطلعاتهم للمستقبل، او حتى اللعب معهم .
هذا النوع من الغياب يؤدّي الى تزايد عدوانية الطفل نحو ذاته او نحو رفاقه، لأنه منزعج من تصرفات والده ،ولكنه لا يستطيع التعبير، فهو يحب الجلوس مع ابيه ، ولكنه يلقى صداً من والده لاهتمامه بأشياء اخرى.
وفي هذه الحال، عليك ايتها الأم العزيزة مسؤولية دمج الأب في حياة أطفاله فإليك الخطوات التالية:
1. اطلبي من الأب ان يساعدك اثناء مذاكرتك لطفلك واشركيه معك.
2. عندما تقابلك مشكله فى تربيه ابنائك لا بد ان تشركي زوجك فيها، و تجعليه يحكم فيها، ولا تعترضى رأيه ابدا امام ابنائك ، ولو حصل مناقشة فتكون بينك وبينه حتى يحترم الابناء حكمه.
3. حاولي ان تجمعي العائلة على وجبة الغداء او العشاء.
4. حاولى ان تفتحي موضوع نقاش اثناء وجبة الغذاء ، بحيث تتناقش الأسرة فى احوال الابناء ويتشاركون الآراء.
5. عند شراء هدايا لأولادك، اذهبي انت وزوجك لشرائها ، لانتقاء ما يناسب الاولاد من وجهه نظر الزوج بمساعدتك.
6. تعويد اطفالك انتظار قدوم والدهم من العمل، ان كان وقت عودته يسمح بانتظارهم والجلوس معه، ولو دقائق قليله للتواصل اليومي مع الوالد .
الأب المتوفى:
يتألم الأطفال الذين توفي آباؤهم مبكرين، إذا تحدث أمامهم  زملاؤهم عن آبائهم وكيف يعاملونهم وماذا يحضّرون لهم؟ ولذلك يعملون لمرافقة أصدقائهم من الأيتام، لأنهم مثلهم يفتقدون الحب والرعاية والعطف والحنان.
فالدور الأهم هنا للأم، بأن تحافظ على توازنها النفسي، وتستغل قدراتها ، لذلك يجب أن تكون الأم على قدر من الكفاءة. 
وإذا توفي الأب قبل أن يشاهده ابنه، فسيقوم بصنع صورة خيالية عن والده ، حيث يتصوّر والده كيف كان، وذلك بتكوين صور عما تقوله الأم عن والده،  ولكن المهم في الأمر أن تظل علاقة الأم بطفلها عادية، ولا تتمثل له بدوري الأب والأم معاً ، ولا مانع من أن تقوم بدور الأب في بعض المواقف ولكن باعتدال ولا تنسى دورها.
وهناك طريقة ثانية ، وهي ربط الطفل بأب بديل من الكبار، من خلال مؤسسات تعنى بالأيتام ودور الرعاية والمدارس، وأيضاً من خلال الإخوة الكبار للطفل أو الأعمام أو الأخوال أو الأقرباء، كل هذا يعمل على تخفيف معاناة الأطفال فاقدي الأب.
ومن الممكن ان تنتج الآثار التالية عن غياب الأب عن الطفل:
يؤثر على نمو الطفل وعلى ثقافته وشخصيته.
الحرمان من العطف .
يؤثر على تشكيل الضمير الأخلاقي لدى الطفل. 
يؤدي لصراعات نفسية، وإلى الاضطراب وانعدام التوازن العاطفي والأمن النفسي .
يؤثر على مستوى التحصيل الدراسي. 
يؤثر في النمو النفسي والعقلي، حيث يتعرض الطفل الغائب عنه والده للخوف والحرمان والتهديد والاكتئاب. 
يؤثر في اكتساب الطفل الأدوار الاجتماعية كالذكورة والأنوثة، والتي تعد في أساسها عملية تعلّم اجتماعي تحقق للمجتمع البقاء والاستمرارية .
يؤثر في استقلال شخصيات الأطفال وفي اعتمادهم على أنفسهم. 
يؤدي إلى الاضطرابات السلوكية والجنوح أحياناً. 
يكون فاقد الأب أكثر إحساساً بالقلق والشعور بالنقص والغيرة،  وأقل نضجاً ورغبة في التفاعل الاجتماعي مع غيره ، ويكون أكثر اتكالية .
يكون ضعيف الثقة بالنفس وأقل التزاماً بالنظام. 
يكون قليل الانتباه والتركيز والاستجابة، وأقل قدرة على السيطرة على نوبات الغضب التي تنتابه. 
 غياب الأب وتطور سلوك الطفل الاجتماعي
يُجسّد الأب في الأسرة نظام التعامل العام المتعارف عليه في المجتمع، حيث أن عملية الأخذ والعطاء وصنع القرارات المتعلقة بمصير الأسرة التي يقوم بها الأب عادة, وسلوكه في العمل والشارع والحياة العامة , لتمثّل كلها نماذج محسوسة للطفل أثناء عملية بلورة سلوكه الفردي، وتكوين معالم شخصيته الاجتماعية. 
إن غياب هذا الأب إذاً عن الأسرة لسبب من الأسباب التي نوهنا اليها آنفاً،، يحرم الطفل من هذه الفرص المباشرة لتنمية سلوكه الاجتماعي وصقله. 
وقد أفادت دراسات علم النفس في هذا المجال؛ بأن الطفل ذا الأب الغائب، يواجه فعلياً صعوبة كبيرة في عملية تطور سلوكه الاجتماعي العام .
وقد اجريت دراسة على 17000 طفل في جامعة اكسفورد سنة 2002 واظهرت النتائج التالية:
البنات اللاتي نشأن بين أم وأب كن أقل عرضة للأمراض النفسية.
الأولاد الذين كانت علاقتهم جيدة مع آبائهم ،كانوا بعيدين عن العنف والاجرام.
الأولاد الذين كانوا قريبين من ابنائهم، لم يكن لديهم مشاكل عاطفية ، وكانت حياتهم اكثر استقراراً .
تدخّل الأب في حياة اطفاله منذ الطفولة ، جعلت علاقته معهم أفضل خلال مراحل حياتهم اللاحقة.
وهذه النتائج أظهرت أن العلاقة السليمة والتربية الصحيحة بين الآباء والأبناء ،لا تتوقف فقط على تواجد الأب بل على مدى تواصل الأب مع أبناءه.
واخيرا ايها الأب العزيز؛ لا تتوقع من ابنائك ان يكونوا اصدقاء لك في مرحلة الطفولة او الشباب اذا لم تبنِ معهم هذه العلاقة من الطفولة ركناً تلو ركن .

 
 

10:31  /  2015-12-16  /  1901 قراءة