Facebook Twitter Addthis

التصنيفات » المديريات » الدفاع المدني » إصدارات

حادثة فريدة حصلت معي

...وكأن روحه تحدثه أنه راحل عمّا قريب إلى الرفيق الأعلى، وأنه لا بدّ من وصية مكتوبة يُذكّر بها زملاءه بالحفاظ على الواجب المهني ... عِبرة تحرك المشاعر الإنسانية .... حادثة جرت مع الشهيد دماء (مصطفى أمهز) منذ زمن، لكنه كتبها قبيل استشهاده بخط يده وأوصانا بنشرها.  

هي حادثة فريدة، لكن فرادتها ليست بأسلوب العمل الإسعافي أو العمل الطبي؛ بل في ذاك الشعور الذي انتابني حين قمت بهذه المهمة فشعرت بالذنب من ناحية والناحية الأخرى شعور جميل بتأدية الواجب، وبرغم تأكيد كل من عرف بهذه القصة بأني قمت بواجبي و لم أتخلف عن ما هو في مصلحة المصاب ، إلا أنني ما زلت أشعر بغصة كبيرة عندما أتذكر هذه الحادثة، وخاصة تلك العبارة التي حفرت في ذاكرتي ومازلت أذكرها بحركة شفتيه ولكنته قبل وفاة المصاب بساعات قليلة .
لتلك الجملة قصة مؤلمة في تاريخ عملي الإسعافي لن يمحيها الزمن ..
أحد عشر عاماً مرت على تلك الحادثة وكأنها في لحظاتها أمامي تطرق باب قلبي وتفتح جرحاً في جسدي لم يغلق بعد.
في ذلك اليوم الحزين كلفت بمهمة إسعافية أقوم من خلالها بنقل مصاب إلى إحدى المستشفيات التي تعنى بالحروق في العاصمة، ونظراً لوجود حروق من الدرجة الثانية والثالثة وبمسافة تجاوزت الستين بالمئة من جسد المصاب حاولت تلك المستشفى التنصل من استقباله، فبقيت في سيارة الاسعاف حوالي ثلاث ساعات وأنا أنتظر قراراً نهائياً من المستشفى للاستقبال المصاب ، لكن ما الذي جرى في هذه الساعات الثلاث!؟
كنت جالساً قرب المصاب أقوم بالانتباه والعناية به وخاصة أنه بحاجة إلى تبديل الأمصال كل فترة وجيزة نظراً لوجود نقص حاد في سوائل جسده وبحاجة إلى الأوكسجين.
في لحظات وجودي بقربه لم يكن لهذا المسكين لا حول ولا قوة، لكن شفتاه تتمتم عبارة واحدة "بدي إشرب" وهذا الطلب هو طلب محق لأن شعوره الشديد بالعطش ناتج عن فقدانه سوائل جسده، وبناءً على تعليمات الطبيب يمنع المصاب من الشرب نهائياً وذلك لوجود تضرر حاد في الجهاز الهضمي بالإضافة إلى  التصاقات في الأمعاء، فإعطاؤه الماء في هذا الوقت سيكون مضراً جداً وذا مضاعفات سلبية .
لقد حاولت ترطيب شفتيه مرات عديدة ، لكنه من شدة العطش حاول انتزاع (نبريش المصل) ليشرب منه ولكني منعته..
كان يطلب الماء بشكل متكرر، وكنت أجيبه: عليك بالصبر يا أخي، بعد قليل تشرب ونحن نحاول مساعدتك لكي تكون في حال أفضل، والماء قد يعود عليك بالضرر، ومع ذلك كنت أبلل شاشة معقمة بالماء وأمسح بها شفتيه. فما كان من المصاب سوى أن يخاطبني ويذكرني بشيء عظيم وكبير تنفطر له القلوب، وقال لي من عزة روحه "كرمال الحسين شربني"
في هذه اللحظة شعور غريب سيطر علي، ووقعت في حيرة كبيرة، وامتزج لدي الحس بالمسؤولية وعظمة طلبه وما يحمل من معاني جليلة.
بدا لي يوم عاشوراء شاخصاً أمامي، أرى وأشعر بعطش الحسين وأطفاله، حاولت أن أتماسك فهذه لحظة حرجة ولا بدّ من اتخاذ القرار، على مضض اتخذت موقفي وأجبته: إنّ الإمام الحسين عليه السلام كان صابراً محتسباً وتغلب على عطشه، عليك أن تواسي الإمام وأنت مأجور على ذلك.
أجابني بصوت خفيف "دخيلك كرمال طفل الحسين شو ما بتعرف الحسين" ؟
أجبته: صدقني يا أخي ليتني أستطيع ذلك فالطبيب هو من أمر بمنع الماء عنك حفاظاً عليك.
أجابني: " شو بدك بالحكيم شربني"
لكني بقيت على موقفي حتى أتى الفرج وأدخل المستشفى. عدت إلى مركز عملي لكن كلماته لم تفارق ذاكرتي.
أما المفاجأة فكانت صبيحة اليوم التالي عندما علمت بوفاة هذه الإنسان، أصبت بخيبة أمل كبيرة وذهلت، ليس من أمر الوفاة بل لأنه توفي وهو طالباً الماء مني إكراماً للإمام الحسين عليه السلام ولم ألبه .
أحسست بذنب كبير وبكيت وقلت لزملائي ليتني سقيته. فكان جوابهم  لقد قمت بواجبك، ولو سقيته الماء وتوفاه الله لشعرت بذنب أكبر، وكنت قد تخيلت نفسك في موقع المقصر والمساهم في وفاته، عليك بالتسليم بقضاء الله تعالى.
تيقنت حينها أن المشاعر النبيلة مهمة جداً وهي روح المسعف وفي صلب عمله ومهامه، لكن لا بدّ ضبط هذه المشاعر أحياناً لكي يتسنى لنا العمل بدقة لما فيه مصلحة المصاب تحقيقاً لأهداف الإسعاف وهي:
1-المحافظة على حياة المصاب.
2- الحد من تفاقم الإصابة.
3- التعجيل في شفاء الإصابة.
 

 
 

' | ' | 740 قراءة